محمد العريني يكتب : التسول بين الاحتياج والامتهان

محمد العريني يكتب : التسول بين الاحتياج والامتهان

    لم أتفاجئ كثيرا عندما شاهدت أرقاما تجعل بلدي العزيز يحتل المرتبة الأولى لعدد من الدول العربية من حيث عدد المتسولين. كانت دهشتي قد وصلت قمتها قبل أصدر تلك المعطيات بأسبوع لاغير، كنت في طريقي إلى الشغل عندما تقدم نحوي أربعة شباب في مقتبل السن و كل منهم يطلب أن أساعد بما “كتب الله “. صُعقت حينها لأن الأربعة يتمتعون بصحة جيدة و لا يظهر عليهم أثر الإدمان أو التشرد لكن خُيل إلي في أول الشأن أنهم يهمون بقطع الطريق قبل أن يتقدموا واحدا تلو الآخر باتجاه العربة راجين كرما و جودا في ذلك الشهر الفضيل، صدمني المرأى و صرت أُحلله و أُناقشه دون أن أفكر إطلاقا في مساعدتهم لكن كنت في المقابل سأهم بمساءلتهم عن الداعِي الذي جعل شبانا يلجؤون إلى التسول و هم في مقتبل السن عوض أن يبحثوا عن عمل شريف يكفل لهم قوت يومهم و يحفظ ماء وجهوههم.

    لقد وصل الفشل بجِيلنا مبلغا مخجلا، ألهذه الدرجة صرنا نفضل الأشياء الجاهزة و التي تأتي بأقل مجهود جائز؟ من الداعِي يا تشاهد هل الجمهورية التي لا تبذل العديد من أجل مقاتلة الهدر المدرسي و التي لا تعمل بجهد كبير على إدخار فرص للشغل فتدفع بالعاطلين عن الشغل إلى البحث عن لقمة العيش بكل الأساليب المتوفرة و يكون أسهلها هو التسول؟ أم أن الآباء يتحملون جزءا أضخم من المسؤولية عندما يعجزون عن تربية أبنائهم تربية صالحة لِيجعلوا منهم أشخاصا مسؤولين و طموحين مقبلين على الحياة و مستعدين للقتال بهدف تقصي مقاصد نبيلة عوض الاستسلام لليأس و اتباع أقصر الأساليب و أقلها تكلفة من حيث المجهود و الوقت. و لربما يرجع الشأن لفشل النظام والنسق التعليمي كذلك و التي أصبحت تُنتج أعدادا مهولة من العاطلين عوض أن تُنتج طاقات قابلة للتأقلم مع سوق العمل و قادرة على الإبداع و تسخير الفرص المتوفرة لتسلق سلم التوفيق.
    آلمني ما شاهدته كثيرا و عجزت عن تفسيره، نقبل عادة بالمتسولين و نساعدهم عندما يرتبط الشأن بمسنين و بذوي الإعاقات، لأننا ندرك جيدا أنه هناك ندرة مهول في المشروعات و القوانين المخصصة بالدفاع عن هاتين الفئتين. نعترف و الوجع يقطع أوصالنا أن البغي و الجهل يفتكان بهؤلاء، فالمؤسسات المخصصة بهم غير كافية من المحتمل أو أنها لم تنضج في أعقاب لتقوم بدورها على أحسن وجه، و حتى انعدام الإدراك في المجتمع يشارك في تفشي ظاهرة تسول ذوي الإعاقات و المسنين، فهناك من الأسر من يستغل وضعيتهم ليؤثر في قلوب المارة. أتفهم وضعية هؤلاء و أتقبلها بكل أسف لأننا جميعنا مسؤولون عن وضعيتهم، و لربما أميل ايضاً، أحيانا، إلى تقبل التسول من السيدات و هن بصحة جيدة و يصطحبن أطفالهن في تلك الهامة “الشاقة”، رغم أن الشأن يُثير غضبي لأن عقلي يعجز عن تقبل أم تدفع بإبنها للتسول و تسخير صغر سنه و نحالة جسده لطلب عطف الناس في الشوارع. ففي نظري الأمومة أسمى و أعمق من كل هذا، و هي شعور كبير و قوي يجعل الأم تبلغ الليل نهارا و تعمل بجد و كد لادخار لقمة العيش لصغارها عوض عرض أجسامهم الضئيلة المرتجفة في أيام البرد القارس أو تحت الشمس الحارقة بهدف إثارة غضب عطف و كرم المارة الذين منهم من يستجيب لنداء قلبه و هو خجل من ذاته و من وخز الحس الأخلاقى فيساعدها بأعين دامعة و منهم من لم يعد يضعف في مواجهة مرأى مشابه في أعقاب انتشار العصابات التي تقوم باستغلال الأطفال و تمتهن التسول.
    ولكن ما أعجز عن تقبله هو تسول الرجال و هم بصحة جيدة و أُدخل في تلك الخانة حتى المهاجرين الأفارقة و المشردين، و حتى غير المشردين الذين يعمدون على تقليد لهجة المشردين. لا أستطيع إطلاقا تقبل الشأن فكيف لشخص في كامل قواه الجسدية و العقلية أن يجعل من التسول وظيفة له في وجود صمت مخيف للسلطات، كيف لا يسعى هؤلاء البحث عن عمل و نحن في بلد لا زال يُعتَمد فيه على الإمكانيات الجسدية أكثر من  المهارات الفكرية و المؤشرات العلمية. ماذا يمنع هؤلاء من القيام بأي عمل و تسخير قوة أجسامهم لكسب قوت يومهم. لا أعتقد أن الاحتياج ملحة لدرجة تستوجب سحق الكرامة و الاستعجال في دعوة الرزق السهل الهين.
    .
    @مرسلة بواسطة
    كاتب ومحرر اخبار اعمل في موقع اخبار المصدر 7 .

    إرسال تعليق