جزيرتان من نار

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اخبار المصدر 7 تقدم قد يمكن تقسير أسباب إصرار على امتلاك جزيرتى تيران وصنافير للعديد من الاعتبارات، ربما يأتى فى مقدمتها رغبتها فى توثيق علاقتها بإسرائيل تمهيدا لتبادل العلاقات الدبلوماسية بينهما، وهى الخطوة التى ترى المملكة أنها توفر لها حماية أمريكية للعرش السعودى فى مواجهة أخطار إقليمية أشعلتها ثورات الربيع العربى المغدورة، وخطط تتبناها دوائرغربية لتفكيك الدول العربية، بالإضافة إلى مشاركة إسرائيل فى الحلف السنى الذى تتبناه المملكة لمواجهة الأخطار الإيرانية المزعومة. كما يمكن فهم الأمر أيضا عبر أسباب تتعلق بالخلافات داخل العائلة المالكة السعودية، وطموح ولى العهد محمد بن سلمان لخلافة أبيه فى الحكم على حساب ولى العهد السابق الأمير محمد بن نايف، وهى الخلافات التى تعدت أسوار العائلة الحصينة ، وترددت اصداؤها فى صحف غربية عديدة، وهو ما تحقق فعلا الأسبوع الماضى، وتقدم محمد بن سلمان خطوة جديدة نحو العرش السعودى!

كل هذا وأكثر يمكن من خلاله فهم أسباب هذا التوجه السعودى، لكن ما لا يمكن فهمه أو قبوله بأى وجه من الوجوه، هو رغبة السلطات بمصر فى التخلص بأقصى سرعة ممكنة من الجزيرتين، وكأنهما عبء ثقيل أو كرة من النار تحرق أصابعها، وليس باعتبارهما كنزا جغرافيا يعطى لمصر ثقلا إستراتيجيا فى المنطقة، و لا باعتبارهما – قبل ذلك – جزيرتين مصريتين.

اللغط الذى أحاط بخطط فى التنازل عن الجزيرتين، لا يزال يخفى خلفه العديد من الأسباب التى أصبحت تتعلق ب”صفقة القرن”، والتى لا نعرف عنها أى شىء، إلاعلاقتها غير الشرعية بتيران وصنافير، ومن المقرر أن يتبع التفريط عنهما عدة خطوات، على رأسها تطبيع العلاقات بين إسرائيل والسعودية، وقد تصل إلى تنازل مصر عن أجزاء من سيناء لتوسيع الدولة الفلسطينية المزمع قيامها طبقا لحل الدولتين، وتعويض مصر بأراض أخرى فى صحراء النقب الإسرائيلية، خاصة وأن بعض الأصوات المحسوبة على النظام فى مصر بدأت تطرح مؤخرا أن سيناء نفسها لم تكن ضمن الحدود المصرية إلا منذ مئة عام تقريبا!!

من أجل تسليم الجزيرتين للسعودية، أقدمت السلطة فى مصر على خطوات تتعارض مع نصوص دستورية واضحة، ومع أحكام القضاء الباتة واجبة النفاذ، بل وفتحت أبواب صدامات ساخنة بين البرلمان ومؤسسة القضاء، دون أدنى اهتمام بالرأى العام الذى يرفض التفريط فى الجزيرتين، بل وقمعت بقبضتها الأمنية الغليظة كل المظاهرات الخجولة التى انطلقت في القاهرة، حتى لا تتسع دائرتها، وتتحول إلى انتفاضة جماهيرية تهدد بقاء النظام نفسه، ليبقى مع ذلك أكثر من سؤال: لماذا تراهن السلطة فى مصر بالبقية الباقية من سمعتها الديمقراطية لأجل قمع مظاهرات تيران وصنافير لتعتقل الكثير من المشاركين فيها؟.. ولماذا تغامر هذه السلطة بضرب “دولة المؤسسات” وكأنها تقدم كل المبررات والذرائع أمام معارضى السلطة لخرق القانون واللجوء للعنف وتصعيد عمليات الإرهاب، خاصة وأن السلطة لم تلتزم بدستور أو قوانين أو أحكام محاكم، أوعلى الأقل لم تنجح فى إقناع أغلبية المصريين بإلتزامها بها، فى نفس الوقت الذى تتوسع فى استخدام ترسانة من القوانين التى تحظر حق التظاهر، وتحجب المواقع، وتكاد تؤمم الحياة السياسية، وهى أوضاع تهدم أى استقرار تنشده السلطة.

قد يمهد تفريط مصر فى الجزيرتين الطريق أما زيادة نفوذ السعودى فى المنطقة، وقد يقدم للمملكة دعما أمريكيا وإسرائيليا يحتاجه العرش السعودى ويتناسب مع طموحات الأمير الشاب محمد بن سلمان، لكن ما الذى سوف تستفيده مصر من تنازلها عن أراضيها؟ هل تكفى منح وقروض خليجية لتعويض إحساس المصريين بالمهانة؟ وهل يضمن السيسى عدم اشتعال احتجاجات مصرية على قراره بالتنازل عن الجزيرتين؟ وهل يضمن أحد فى الخليج بعد نهاية حكم السيسى عدم ظهور سلطة جديدة فى مصر تطالب بتحرير الجزيرتين؟، وهو ما قد يعرض المنطقة لحرب بين البلدين قد تشارك فيها إسرائيل صاحبة المصلحة الأولى فى التفريط فيهما!

الشكل الذى يتصرف به الرئيس السيسى فى قضايانا الكبرى سواء فى سياساته الإقتصادية، وإغراق مصر فى دوامة من القروض، وإغراق المصريين فى بحر من الفقر، ثم حماسه الشديد فى الإسراع بالتنازل عن الجزيرتين، والاستمرار فى غلق المجال العام، سوف يعجل بلحظة إنفجار لا أحد يعرف مداها ولا تأثيراتها .. لكنها حتما آتية طال الوقت أم قصر!
محمد عصمت

أخبار ذات صلة

0 تعليق