عاجل

اخبار الكويت - ماذا يحصل في سوق سمك المباركية عند الخامسة فجرا ؟

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة
اخبار الكويت -

الربيان الكويتي وممرات السوق عند الفجر والبسطات مازالت مغطاة

حمزة عليان |
هدوء ليلي مع ساعات الفجر الاولى وأنت تسلك الطريق الهادئ من ضجيج السيارات.. لا شيء يوحي بالحركة في محيط سوق السمك بالمباركية.
الشوارع خالية من المارة. تقترب من الدخول الى مواقف السيارات وتأخذ الاتجاه الاقرب للمصعد الكهربائي حتى يقابلك موظف الامن وحيدا في تلك الساعة وانا بصحبة الزميل جاسم عباس، الذي اختبر هذا السوق جيداً من قبل.
تشم رائحة السمك قبل ان تشاهده عيناك. تسبح في ممرات تلمح فيها من بعيد بعض الناس، المقهى المجاور ليس فيه زبائن باستثناء من اتخذ المقاعد الطويلة مكاناً للنوم.
نقف امام مجموعة من المكاتب أشبه بمربع يجلس فيه اشخاص وكل منهم يمسك قلماً ودفتراً يحيطون بـ «المستافي» وهم واقفون ليتسلموا منه أو يعيدون اليه  مبلغاً من المال سبق ان اقترضوه لشراء السمك قبل يوم أو اكثر.
«المستافي»، اي الذي يقوم بتسليف الباعة المبالغ التي يطلبونها ثم يعيدونها اليه. وعندما حاولنا السؤال عن قيمة المبلغ واخذ صورة لاحدهم، اهتز من مكانه وأعطى إشارة غاضبة عن «التدخل في شؤون خاصة».

مزاد السمك الباكستاني
المكاتب أبوابها مشرعة أمام عدد من المشتغلين في السوق، وغالبيتهم من المصريين والإيرانيين الأهوازيين وقليل من البنغال.. هنا تأخذك الصيحات والحركة إلى عالم جديد، تخرج من هناك إلى مزاد السمك الباكستاني المفروش على الأرض، وفي ممرات، ضاقت بالناس حيث يتجمعون حول «الدلال» المنادي بصوت عال، يلتفت يميناً وشمالاً ليصل سعر «الكود» إلى 42 ديناراً، إلى جانب أصناف أخرى تأتي من هناك وفيها الزبيدي والهامور وما يروق للزبائن من أصناف.
نتعرف على بائع يدعى «أبوعلي»، الذي يعمل هنا منذ عشر سنوات، وهو «الخبير» بما يجري في السوق، لديه بسطة مؤجرة، يحضر يومياً في ساعات الفجر يتابع المزادات ويأخذ النصيب ليقوم ببيع حصته على عمال آخرين يعملون معه.

السعودي والإيراني
أشار علينا «أبوعلي» الى التوجه نحو الباحة الرئيسية للمزادات والتي تعج بالعمال والعربات وبالدلالين والمشترين، هنا يباع السمك الإيراني والسعودي جنباً إلى جنب، مع السمك الكويتي القادم من البحر وبحسب الموسم في كل يوم يتغير ويتبدل نوعه وسعره وكميته، أكوام من السمك أخذت أمكنتها على الأرض بعد أن فرشت «الترابيل» ووزعت بطريقة منظمة، يقف أمامها «الدلال» محاطاً بعدد كبير من أصحاب البسطات والمطاعم الذين يأتون باكراً لشراء كميات بالمزاد.

سلة الربيان
الساعة تقترب من الخامسة صباحاً وأمام ناظريك «غابة من البشر» فجأة تدب أصوات متناغمة، كأنها تناديك بطريقة سريعة، ليس فيها إنذار بالاقتراب والدخول في المزاد. إلى جانبي أحد أصحاب البسطات واسمه أحمد علي، إيراني من الأهواز، أشار علينا بالتعرف على أقدم تاجر سمك كويتي وهو الجالس على كرسي، يتابع حركة البيع والشراء من خلال الدلالين الذين يعملون لديه، ويدعى أبو أسامة الهولي.
سألناه عن حركة السوق، أجاب «أمس كانت الحركة أنشط واليوم سلة الربيان وصلت ببيع المزاد إلى 22 ديناراً بعد أن بدأت بـ 16 دينارا»، أكمل… «هذا الذي تراه من سلال الربيان يكرفونه من البحر ونأتي به إلى هنا».
وكيف تصف الحال هذه الأيام؟ قال «الناس تغيروا، ماكو ثقة، زمان كنا أفضل».

داخل المربع الكبير
انهمك الزميل أبو محمد جاسم عباس بتصوير اللقطات المعبرة عن حالة السوق والسمك، وأصبحنا داخل المربع الكبير الذي ينسيك العوالم الأخرى، ولا ترى أو تسمع أصواتا غير أصوات الدلالين وهم ينادون بسبعة وبسبعة ونصف، وهو يشير بيديه إلى آخر من قام بالمزاد، وهنا يتداول أهل السوق ان من بين من يقومون بالمزاد أشخاصاً جرى الاتفاق معهم مع الدلال لزيادة السعر والدخول في الوقت الحرج للمزايدة وبالنتيجة ينال المقسوم.

آه يا سمك يا بني
يصرخ «الدلال» على النقرور الايراني، الحبة بــ 7 دنانير، لتأخذ الحلقة دورتها بالمزاد وترسي على احدهم ليسحب من جيبه اكياس نايلون جلبها معه ويضع فيها «الكود» بعد ان يجمعها بيديه ويقوم الدلال بازاحتها برجله الى الخلف حتى لا يختلط المبيع مع ما تبقى من اسماك مفروشة على الارض.
عادل بائع مصري مضى عليه حوالي 14 سنة في المهنة، يقف امام سمك لونه بني وبأحجام كبيرة تراها تتلألأ امامك وكأنها تضيء لك الطريق مع بزوغ اللون الاحمر من الشمس، وهي تسدل ألوانها باتجاه المربع الذي تقف فيه، وامامك ابراج وعمارات تحيط بك من فوق.
هذا «السمك البني» له زبائنه الذين يحبونه ويرغبون بشرائه، وهناك من يأخذه ليبيعه في منطقة الخفجي على الحدود السعودية، فسوقه هناك عليه طلب كما يقول «عادل»، ويتبعه «ابو محمد» بعبارة غنائية يتغزل فيها بالسمك البني، التي تقول:
صيد العصاري ياسمك بنّي
تلعب في الميّه لعبك يعجبني
آه يا سمك بني.

الحمّال الأهوازي
أحد الحمالين يرفع سرواله قليلاً، ويمسك العربانة الحديد، بكلتا يديه، متأهبا لنقل ما تيسير له من السمك، يعيل 14 فرداً من عائلته كما يقول، وعندما سألناه عن المبالغ التي يحصلها، اجاب كل يوم يختلف عن الآخر، احيانا دينارين واحيانا خمسة دنانير باليوم، وهو على هذا المنوال منذ سنوات طويلة.
وانت في اجواء المزاد الذي اخد نوعاً ما، لحظات من استعادة الانفاس، بعد صرخته الاولى والمدوية قويا.

لكل جالية سمكها
يا لها  من لحظات جميلة، تشدك اصوات الدلالين الذين يستميتون بالحركة وبالصوت العالي ومعرفتهم بالوجوه، الى ان ينهون مزادهم بالتي هي احسن وهم ينادون «الشعم بــ 20 دينار، والنقرور حبة صغيرة بــ 5 دنانير»، والكل في حالة استنفار».
سوق المزاد فيه ما تشتهي العيون والأنفس، ولكل «جالية سمكها» كما يقولون، فهذا السمك «الحمرة» ذات اللون الفاقع بالاحمرار، يرغبه اهل اليمن على وجه الخصوص، وترى ابناء من المهرة وحضرموت امام الدلال، يرفعون السعر للفوز بها.
كما حال «الهنود» الذين يطيب لهم «المشماهي» والخاص بطبخ بـ «المرق» وهذا النوع يأتي معظمه من السعودية.

دور البنغال
تلتفت امامك واذ بالاماكن الممتلئة تبدأ بالخلو شيئاً فشيئاً، وها نحن نقترب من السادسة صباحاً لتختفي اضواء الليل بوضوح النهار، وينتهي المزاد ويتفرق الباعة والمشترون، كل الى حيث اتى، لتبدو الساحة الواسعة فارغة من السمك والدلالين، سوى عدد قليل من الناس، ثم تدور الدائرة على نوع جديد من الوجوه وهم عمال البلدية ومن الجالية البنغالية الذين يتوزعون على ارجاء الساحة حاملين بأيديهم خراطيم المياه لينفضوا ما علق «بالترابيل» التي استخدمت لفرشها على الارض، ووضع السمك عليها، وخلال دقائق تعود الساحة الى سيرتها الاولى.. خالية من البشر والسمك ونظيفة.. بفضل هؤلاء البنغاليين الذين يتقاضون رواتب ضئيلة جداً لا تساوي ثمن «كود» من سمك «الهامور».

ماكو سمك كويتي
وقفنا مع احد اصحاب المكاتب من التجار، ليهمس في آذاننا «ترى لا تصدق ماكو سمك كويتي، معظمه من السعودية وايران» وقبل نودع احد اقدم تجار السمك من الكويتيين، ابو اسامة الهولي، طلب ان نوصل صوته الى هيئة الثروة السمكية باستمرار استيراد السمك عن طريق المنافذ وابقائها مفتوحة، اي عن طريق الجو والبحر، عندما يوقفون جلب السمك المحلي، فسلة الروبيان وكله مستورد، تباع هنا بـ 50 دينارا، وتصل الى السوق، اي الى الزبائن بـ 75 دينارا.

دينار واحد
لحظة الخروج من ساحة المزاد، تصادف مرورنا مع الحمال الاهوازي الذي بدت عليه علامات التذمر، سأله الزميل ابو محمد، الذي اراد ان يلتقط له صورة، ما بك؟ رد وبطريقة عصبية «حصلنا دينار اليوم» والقى بالعربانة الحديد، جانبا، فما كان من الزميل الا ان اعطاه دينارا آخر من جيبه وكان مصدر سعادة بالنسبة اليه، حتى ظهرت اساريره وهو يبتسم مودعا وبحب!

وراء المستشفى الأميري
خرجنا من سوق المباركية واتجهنا نحو المستشفى الأميري من الخلف، لنتوقف أمام حوش عربي قديم، فيه تجمع كبير لعدد من أبناء الجالية المصرية، نسأل أحد أبناء كفر الشيخ عن السمك المتوفر، اقترب منا وهو خائف، ودار حوار بينه وبين الزميل جاسم عباس عن السعر والنوع وما إذا كان لديه روبيان، فأخبرنا ان سعر السلة 40 دينارا في حين كانت بالمزاد 25 ديناراً؟ لينتهي عند تسجيل رقم هاتفه والتعهد بإيصال الطلب إلى المنزل، وهؤلاء يشترون السمك بالمزاد ثم يأتون لبيعه خلافاً للقانون وبالسر بعد السادسة صباحاً، وهناك من يقصدهم لمعرفته بهم.

أخبار ذات صلة

0 تعليق