الارشيف / اخبار

اخبار اليمن - الزيدية.. دولة الأئمة إلى الحركة الحوثية (بحث سياسي )

اخبار اليمن -

 يتصل تركيز الزيدية على فلسفة الإرادة الحرّة والعقلانية بدلاً من اتباع النصّ الحرفي بتماثل أسسها الدينية مع الأسس التأمّلية للمعتزلة؛ التي ازدهرت بين القرنين الثامن والعاشر في البصرة وبغداد. اعتمدت الزيدية المبادئ الأساسية للفكر المعتزلي والإيمان الشيعي بالإمامة المنوطة بنسل النبي محمد. وتختلف الزيدية عن الشيعة الاثني عشرية بخصوص مَن المؤهّل ليحكم بمثابة إمام وطبيعة إمامته. فخلافاً للشيعة الاثني عشرية، يؤكّد التراث الديني الزيدي أن لا ضرورة لأن يكون الإمام معصوماً بقوى خارقة للطبيعة، لكن يجب أن يكون عالماً ويتعيّن عليه أن يقود ثورات مسلّحة على الطغاة. وترفض الزيدية مفهوم الإمام الغائب وتشدّد على أن الأئمة الذين سمّاهم الله ورسوله يقتصرون على علي وولديه: الحسن والحسين. كما أن الزيديين يقبلون احتمال وجود أكثر من إمام في الوقت نفسه.

نشات الدولة الزيدية سنة 897م في المرتفعات الشمالية لليمن. وقد أطلقها يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (ت 911)، الذي أقام في صعدة وأصبح القائد السياسي لدولة الإمامة الزيدية، التي استمرّت حتى أواسط القرن العشرين، عندما أطاح انقلاب عسكري سنة 1962، بدعم من جمال عبدالناصر في مصر، بآخر الأئمة الزيديين: محمد بن بدر. وكان يحيى قد وصل إلى صعدة قادماً من بلدته الرس في الحجاز، بدعوة من وفد قبلي من خولان للتوسّط في إنهاء العنف والقتال المستمر منذ سنين بين قبيلتي بني سعد والرُّبيعة في منطقة صعدة. وبعدما نجح يحيى في إنهاء هذه الحروب القبلية، بدأ تأسيس إمامته واتخذ اسم الهادي الحقّ. واستمرّت الأراضي التي يسيطر عليها في التوسّع ثم الانكماش. وعند وفاته، كانت الدولة الزيدية محصورة في صعدة، حيث دفن أحد عشر من الأئمة الذين خلفوه في مسجد الهادي المبني في القرن التاسع (تم توسيعه في القرن الثالث عشر). ومع أن الهادي الحقّ لم ينجح في توطيد سلطته السياسية والروحية في اليمن بأكمله، فقد استمرّت سلالته تشغل مكانة دينية رفيعة في اليمن قرابة عشرة قرون في أعقاب وفاته.

السادة والقضاة

شكّلت أسر السادة مرجعاً دينياً في حال حدوث نزاع بين القبائل وعلماء الدين. وعلى الرغم من أن منطقة صعدة الشمالية كانت المركز الرئيس للسادة، فإنهم كانوا مهمّين أيضاً في الجنوب في حضرموت، حيث وطّد وافد من العراق يدعى أحمد عيسى وجودهم سنة 952. ولم يشكّل السادة طبقة بالمعنى الحديث. فقد كان بعضهم فقراء جداً، لكنهم تمكّنوا على الرغم من فقرهم من المطالبة بمكانة اجتماعية مماثلة للشيوخ الأثرياء والأقوياء بفضل تحدّرهم من النبي. وفي أعقاب الإطاحة بالإمامة سنة 1962، منع كل أفراد أسرة حميد الدين، آخر أسرة حاكمة للإمامة، ومن صفوفها جاء الإمامان يحيى وأحمد، من الإقامة في اليمن. وقُتل كثير من السادة أثناء الحرب الأهلية (1962–1970)، وصودرت أموالهم. وما تزال قليل من أسر السادة تقوم بدور سياسي في اليمن اليوم. على سبيل المثال، استُخدمت أسر المتوكّل والمؤيّد والجفري في اليمن الشمالي واليمن الجنوبي السابقين لشغل مناصب وزارية ودبلوماسية. فقد وقفت هذه الأسر إلى جانب القوات الجمهورية أثناء الحرب الأهلية. وكان لسادة جنوب اليمن حضور جيد في شتات الحضارمة في جنوب شرق آسيا. وقد شغل أحد أفراد أسرة من السادة الحضارمة في إندونيسيا (أسرة العطّاس) منصب وزير خارجية إندونيسيا.

كان القضاة فئة متعلّمة من غير السادة، تحظى بامتياز اجتماعي وتشغل مناصب حكومية لا يشغلها السادة، وقد عملوا مساعدين للسادة في إدارة شؤون الدولة. ومن ثم كانوا قريبين من النخبة الأساسية في نظام الإمامة. وعلى الرغم من أن اليمني في زمن الإمامة يمكن أن يصبح –نظرياً- قاضياً بدراسة الشريعة، فإن هذه المكانة المميّزة كانت وراثية من الناحية العملية. وكان معظم القضاة يأتون من أسر حضرية ليس لها ولاء قبلي معيّن، ومعظمهم من الزيديين، لكن عيّن قليل من القضاة الشافعيين أيضاً. صرا

كان القضاة يضعون في العلن غمداً مميّزاً في حزامهم، ويحملون خناجرهم مائلة إلى اليمين. في بعض الحالات، كانت مكانة القاضي لقباً شرفياً يمنحه الإمام، بصرف النظر عن الجنسية. على سبيل المثال، في ثلاثينيات القرن العشرين، مُنح هذا اللقب لمسؤول تركي، محمد راغب، ظلّ في اليمن بعد انسحاب القوات العثمانية منه، وأصبح في النهاية وزير خارجية الإمام يحيى. وفي الخمسينيات، كان يوجد (108) من آل القاضي. واستمرّت أربع أسر قضاة بارزة قديمة (الإرياني، والعرشي، والعامري، والعنسي) في تزويد الدولة اليمنية بالتكنوقراطيين لشغل مناصب حكومية ودبلوماسية رفيعة.
        
    
    نزاعات الماضي خلت من الطائفية    

الحوثية الثورية

توجد الجذور الأيديولوجية للتمرّد الحوثي في أنشطة جماعة زيدية إحيائية تدعو نفسها الشباب المؤمن. وقد مرّ إنشاء الجماعة وتنظيمها في مرحلتين تطوّريتين: العمل الجماعي والردّ القتالي. بدأت مرحلة العمل الجماعي سنة 1990، نتيجة للتعدّدية الحزبية ورفع القيود عن تكوين الجمعيات والتعبير، التي كانت الركن الأساسي لمشروع وحدة شمال اليمن وجنوبه. وكان سبب اختيار محافظة صعدة، على بعد (240) كيلومتراً شمال العاصمة صنعاء، بمثابة قاعدة لنفوذ الجماعة، واضحاً. فصعدة هي المقرّ القديم التعليمي والسياسي للمذهب الزيدي، ومركز الزيدية من دون منازع. وأثناء مرحلة العمل الجماعي، ركّزت الجماعة أنشطتها في المراكز الصيفية، حيث كانت تعقد المحاضرات الدينية، والمناقشات، والتمثيليات المسرحية، والفعاليات الرياضية يومياً. وفي غياب فرص العمل والافتقار إلى التسهيلات الحكومية للشباب في الإجازات الصيفية، أصبحت تلك المراكز مقاصد شهيرة للطلاب، لا من صعدة فحسب، وإنما من المحافظات والبلدات الأخرى المعروفة –تاريخياً- بالانتماء التقليدي للزيدية (مثل حجّة وعمران).

في بضع سنين، أنشئ أربعة وعشرون مركزاً من هذه المراكز في صعدة، وثلاثة وأربعون في تسع محافظات أخرى. واجتذبت هذه المراكز ما بين (15,000) و(18,000) طالب في محافظة صعدة وحدها. وكانت تدار عن طريق مجلس إدارة يتكوّن من ستة أعضاء. ويُعزى نجاح الشباب المؤمن في مرحلة العمل الجماعي إلى ردّ الفعل الحماسي للشبان الزيديين على التحدّي الأيديولوجي، وتحدّي الهوية الذي تشكّله الحركة السلفية في صعدة –قلب الزيدية وعقلها. وقد تبلور هذا التحدّي منذ إنشاء ما يدعى مركز دماج للسلفيين التقليديين.

كان المركز السلفي بإدارة الشيخ مقبل هادي الوادعي، مؤسّس السلفية في اليمن. وكان الشيخ الراحل (ت 2001) ناقداً قوياً لكل أشكال المذهب الشيعي. وغالباً ما اتهم الشيعة في عظاته، وكتبه، وأشرطة الكاسيت بأنهم روافض ينشرون معتقدات وممارسات غير إسلامية خرافية. وفي أوائل تسعينيات القرن العشرين، بلغ الصدام الأيديولوجي الزيدي السلفي في صعدة مستوى حادّاً، عندما حاول السلفيون الاستيلاء على مسجد رازح –المسجد الرئيس للشباب المؤمن. واشتدّت المواجهات السلفية الزيدية ووصفت بأنها "صدام الأصوليين". وفي مرحلة العمل الجماعي، اتخذت الحركة الزيدية في شمال اليمن شكل حركة اجتماعية دفاعية، تعدّ السلفيين جماعية متحدّية وتتخذ من محافظة صعدة قاعدة لها. وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حقّقته الحركة، فإنها لم تنمُ لتصبح منظمة إسلامية ذات قاعدة شعبية قوية كحزب الله في لبنان وحماس في الأراضي الفلسطينية.

السنة 1999، بدأ تصنيف المراكز الدينية الصيفية الزيدية بوصفها معتدلة ومحافظة. وكانت الأخيرة برئاسة حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس جماعة الحوثيين الجذرية، وابن رجل دين زيدي نافذ، وعضو سابق في البرلمان اليمني بين سنتي 1993 و1997. وفي بعض الحالات، جرى التصنيف بين معتدل ومحافظ حتى داخل المركز الواحد. ووقع انشقاق رسمي للمراكز سنة 2000، ولم يعد مجلس الإدارة قادراً على إدارتها. وأبرز هذا الانشقاق الانقسام داخل النخبة الشيعية الزيدية في اليمن. وهكذا بدأ الحوثي إضفاء الراديكالية على عدد متزايد من الشبان الزيديين، متسلّحاً بشخصيته المتمرّدة والكارزمية، ومستلهماّ الأفكار الثورية لآية الله الخميني والاستراتيجيات التنظيمية لقائد حزب الله الشيخ حسن نصر الله.

قلقت السلطة المركزية اليمنية سنة 2003 من أنشطة الحوثي، عندما بدأ أتباعه يهتفون "الموت لأمريكا" داخل المسجد الكبير في العاصمة وخارجه بعد صلوات الجمعة. وفي صعدة، كتب أتباع الحوثي شعارهم المعادي لأمريكا على جدران المباني، بما في ذلك المكاتب الحكومية، ووزّعوا منشورات تحتوي على اتهامات موجّهة إلى حكومة صنعاء بأنها حليفة للولايات المتحدة في الحرب على العالم الإسلامي. وكان الرئيس صالح قد وقع في مأزق في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، عندما صنّفت واشنطن بلدان العالم وقادته: إما مع الولايات المتحدة وإما ضدّها، وبتصوّر البنتاغون لليمن بأنه دولة فاشلة يمكن غزوها كأفغانستان. ولإنقاذ البلد والنظام، اضطّر صالح إلى عرض التعاون مع الولايات المتحدة على الرغم من المشاعر الواسعة المعادية لها في اليمن، واشتدادها منذ شنّ الحرب على الإرهاب. وأخذت السلطات تعتقل مئات من الحوثيين الذين يردّدون الشعارات المعادية للولايات المتحدة في العاصمة ومحافظة صعدة.

وفقاً لحسن زيد، الأمين العام لحزب الحقّ الزيدي المعارض، اشتبهت أجهزة الأمن اليمنية في أن أتباع الحوثي الذين يردّدون اليوم شعار "الموت لأمريكا" يمكن أن يهتفوا "الموت للرئيس اليمني" غداً. وبعد صعدة، بدأ الحوثي تعبئة السكان الشماليين بغية نزع الشرعية عن السلطة المركزية. وحضّ في خطبه الشعب على التوقّف عن دفع أي نوع من الضرائب للسلطة المركزية. فحاولت حكومة صالح عدة مرّات تنفيس التوتّر باستخدام أساليب الوساطة السلمية. لكن محاولاتها باءت بالفشل. وتصاعد تحدّي الحوثي لصنعاء، وأغلق أتباعه طريقاً رئيساً حيوياً إلى العاصمة، واحتلّوا عدة مكاتب حكومية، واستولوا على مواقع استراتيجية في عديد من قمم الجبال، وبدؤوا اعتماد تكتيكات الميلشيات وحرب العصابات. فكان لا بدّ من أن تردّ صنعاء.

تلا ذلك اشتباكات بين قوات الميلشيا الحوثية والجيش اليمني في 18 يونيو (حزيران) 2004. لكن العملية العسكرية ضدّ المتمرّدين لم تتقدّم بسرعة كما كان متوقّعاً. فقد أظهر المتمرّدون الذين يبلغ عددهم بضع مئات مقاومة شرسة، وأفيد عن مقتل عشرات من الجنود. ومع أن القوات الحكومية نجحت في قتل حسين الحوثي، فإن التمرّد العنيف لم يتوقّف. وشملت مظالم الحوثيين تراجع الطائفة الزيدية القديمة وثقافتها، وتخلّف محافظة صعدة، بما في ذلك التهميش الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والسياسي، وانحياز حكومة صنعاء الشديد إلى واشنطن في الحرب على الإرهاب، والنفوذ الوهّابي والسلفي المفرط في مؤسسات الدولة، والإعلام، والمساجد، والمدارس.

 

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من موقع اليمني اليوم

قد تقرأ أيضا