اخبار ليبيا تمرد على أبيه ورفض نفاق ناصر وقبلة شادية هددته.. حكايات من حياة محمد فوزي

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

– نشأته

وُلد محمد فوزي عبد العال في 28 أغسطس 1918، وهو نفس العام الذي وُلد به الزعيم جمال عبد الناصر، والرئيس أنور السادات، بقرية كفر الجندي على حدود مدينة طنطا، والده مقرئ قرآن كريم، وهو رقم 21 بين إخوته ولم يكن أصغرهم، ودرس بالمرحلة الابتدائية في مدرسة طنطا، ونال شهادتها عام 1931، ولم يواصل تعليمه، فقد انشغل بالموسيقى والغناء، وكان يردد الأغاني الشهرة لأم كلثوم وعبد الوهاب في الموالد والحفلات، مما أثار غضب والده، وحاول منعه، لكنه تمكن من تعلم أصول الموسيقى العربية متتلمذًا على عضو فرقة طنطا الموسيقية محمد الخربتلي، الذي كان عسكريًا بالمطافئ، واندمج «فوزي» في عالم مولد السيد البدوي الذي كان واحدًا من أشهر الموالد في آنذاك، وحدث أن استمع إليه ضابط الإيقاع في معهد الموسيقى العربية والملحن المعروف في زمنه مصطفى العقاد، فأُعجب بصوته وساعده على الالتحاق بمعهد الموسيقى العربية، وعانى كثيرًا في سنواته الأولى بالقاهرة فقد التحق بالمعهد وغادر طنطا إلى القاهرة بدون رضا والده، لذا لم يمده بأي أموال، ولا قدم له أي مساعدة.

– حياته

هو شقيق الفنانة هدى سلطان، تزوج عام 1943م بزوجته الأولى السيدة «هداية»، وأنجب منها ثلاثة أبناء، وانفصل عنها عام 1952، وفي نفس العام تزوج من الفنانة مديحة يسري، وأنجب منها «عمرو»، عام 1955، وقد توفى لهما ابنان، وانفصل عنها عام 1959، وتزوج عام 1960 بزوجته الثالثة «كريمة»، وأنجب منها ابنته الصغرى «إيمان»، عام 1961، وظلت معه حتى وفاته.

كاد فوزي يتزوج الفنانة شادية، وعرض على والدها أن يعقد قرانه عليها، فحين كانت شادية مراهقة تخطو بداية خطواتها في عالم الفن، وعمرها لا يتجاوز 17 عامًا، قدمها «فوزي» في فيلم «العقل في إجازة»، وكان والدها في ذلك الوقت يصحبها أثناء ذهابها للتمثيل، وكان هناك مشهد في الفيلم لفوزي «منتج الفيلم وبطله»، وهو يُقبّل «شادية»، فاعترض والدها، فعرض «فوزي» عليه أن يتزوجها، لكنه رفض لفارق السن الكبير بينهما، حسب ما نشر في مجلة «الكواكب» عام 1977.

أثناء تعاقده مع أحد ملاهي الإسكندرية، قبل شهرته، اكتشف بائع لحوم على عربة أمام الملهى، وأعجب كثيرًا بما يقدمه من طعام، فأصبح بمرور الأيام زبونًا دائمًا لتلك العربة، ينتهي من الغناء ليلًا ثم يخرج لتناول «سندويشات اللحمة»، ويدفع للبائع 5 قروش، في إحدى الليالي، خرج من الملهى فلم يجد البائع، ولما سأل عنه أخبروه أن الشرطة ألقت القبض عليه، لأنه كان يبيع لحم حمير، فصرخ فوزي، قائلًا: «على كده أنا أكلت من عنده حمارين».

– فوزي والمسرح

وظلّ كذلك حتى تمكن من الالتحاق بفرقة بديعة مصابني، صانعة النجوم كما كان يُطلق عليها، بأجر يبلغ سبعة جنيهات شهريًا، وهو مبلغ كبير آنذاك، الفرقة عرفت أسماء كبيرة مثل فريد الأطرش ومحمد عبد المطلب وعبد الغني السيد وغيرهم، لكن «فوزي» لم يلبثُ أن استقال من الفرقة، تضامنًا مع الراقصة «لولا» التي كان يحبها، وقيل إنها أولى زيجاته، وفصلتها «بديعة» من الفرقة، حاولت «بديعة» منعه لكنه أصر، وكوّن مع «لولا» ثنائيًا فنيًا يتجول في أنحاء مصر، ثم عادا ليستقر «فوزي» في فرقة فاطمة رشدي المسرحية وزوجها المخرج الكبير عزيز عيد، وهما أول من اكتشفا موهبة «فوزي» كملحن، وفي أثناء ذلك تخرج فى المعهد ولم يكن أمامه غير أن يحترف الفن، ثم ألحقته فاطمة رشدي بالفرقة القومية المصرية.

– فوزي والسينما

تجربة «فوزي» المسرحية رغم أنها لم تكن ناجحة، فلم يتمكن من التوافق مع العمل المسرحي، فإنها قادته إلى العالم الكبير الذي حقق له نجاحًا وشهرة، هو السينما، فقد انتبه إلى موهبته يوسف بك وهبي، فتعاقد معه على القيام بدور ثانوي في فيلم «سيف الجلاد» عام 1944، الذي أخرجه ولعب بطولته يوسف بك نفسه، وفي العام التالي مباشرة اختاره المخرج أحمد بدرخان للبطولة الثانية في فيلم «قبلة في لبنان»، 1945.

شاهده المخرج محمد كريم فيلم «سيف الجلاد»، وكان يبحث عن وجه جديد ليسند إليه دور البطولة في فيلم «أصحاب السعادة» أمام سليمان نجيب والمطربة رجاء عبده، فوجد ضالته في محمد فوزي، واشترط عليه أن يجري جراحة تجميلية لشفته العليا المفلطحة قليلًا، فخضع لطلبه، واكتشف بعدئذٍ أن محمد كريم كان على حق في هذا الأمر، وكان نجاحه في فيلم «أصحاب السعادة» كبيرًا غير متوقع، وكذلك فيلم «مجد ودموع»، عام 1946، حتى صار نجم الشباك، والفتى الأول في السينما حتى نهاية الخمسينيات، وبلغت أفلامه رقم 36، أشهرها: (ورد الغرام، بنات حواء، ثورة المدينة، الحب في خطر، وكل دقة في قلبي)، ومثّل مع كبار النجوم والنجمات.

– فوزي المنتج السينمائي

مع نجاحه في السينما قام بتأسيس شركة إنتاج سينمائية خاصة، حملت اسمه عام 1947، ويذكر له تاريخ السينما أنه أول من أنتج الفيلم الملون، كان ذلك مع فيلم «نهاية قصة» وفيلم «بابا عريس» وقد مُني بخسارة مادية كبيرة بسببهما، لكنه خطا بالفن السينمائي العربي خطوة هائلة إلى الأمام.

– شركة «مصر فون»

في نهاية الخمسينيات، أقدّم «فوزي» على مشروع عمره، وهو تأسيس شركة لإنتاج الأسطوانات الفنية سماها «مصر فون»، أول شركة للأسطوانات فى الشرق الأوسط، كانت صناعة وإنتاج أسطوانات الموسيقى والغناء حكرًا على الأجانب، فاقتحم هو هذه الصناعة وجمع كل ما لديه من ممتلكات وثروة أسس بها الشركة، وهو مبلغ ضخم آنذاك بلغ 300 ألف جنيه مصري، وافتتح الشركة في 30 يوليو عام 1958، الدكتور عزيز صدقي وزير الصناعة، أشاد بالمشروع الذي يوفر العملة الصعبة، حيث كانت الأسطوانة تستورد بجنيه، وكانت الأسطوانة المنتجة هنا بثلث هذا المبلغ، فضلًا عن أنها لم تكن سهلة الكسر، وكانت تستوعب أغنيتين، بينما المستوردة كانت تستوعب أغنية واحدة.

حققت الشركة نجاحًا كبيرًا، وبدأت بإنتاج أغنيات أم كلثوم ونجاة، ووضع «فوزي» نظام تعاقد محترمًا للفنان كانت الشركة الأجنبية تدفع مبلغًا معينًا للمطرب، وتنتهي علاقته بعمله، لكن «فوزي» أضاف أنه من حق الفنان أن ينال نسبة معينة من إيرادات الأسطوانات، وهكذا استفاد الفنان والجمهور، فضلًا عن الصناعة والاقتصاد الوطني، ويذكر له معاصروه أن علاقته كانت ودودة بالعمال في مصنع الأسطوانات وكانوا يقدرونه.

صاعقة التأميم

وبينما يَهنأ «فوزي» بنجاحه، نزلت عليه الصاعقة في عام 1961، فقد تم تأميم الشركة، واستولت الدولة عليها وعلى المصنع، وكانت هناك غلظة وقسوة في التعامل معه، فقد حددوا له مكتبًا صغيرًا يجلس فيه، بدلًا من مكتبه، وقدروا له راتبًا معينًا، وحسبما ذكر المصور الشهير فاروق إبراهيم في مذكراته، فإن «فوزي» دخل بسيارته إلى شركته «مصر فون»، فلاحظ وجود عساكر، ولما نزل من سيارته وراح لمكتبه وجد شخصًا يجلس على كرسيه ويضع قدميه في وجهه على المكتب، ويعبث بأشيائه الخاصة، ولما رأى المطرب الكبير أخبره أنه البكباشي فلان وأن ثورة يوليو قررت تأميم المصنع والاستديو، ونادى على الساعي ليقوده بعد أن جرى تعيينه على عجل لمكتبه الجديد بجوار دورة المياه، كموظف براتب بالشركة، قُدر بـ100 جنيه شهريًا.

ويقول بعض النقاد إن «عبد الناصر» لم يُؤمن على شركة «صوت الفن» للأسطوانات، المنافسة لشركة «مصر فون»، لأن صاحبيها محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، كلاهما على علاقة جيدة به، كما أنهما غنا له ولثورة يوليو، بعكس «فوزي».

وبعد التأميم بأشهر معدودة كانت هناك حفلة وطنية، ونصحه البعض بتقديم أغنية عن «ناصر والثورة»، وكانت أم كلثوم قد سبقته بأغنية «يا جمال يا حبيب الملايين»، وكذلك عبد الحليم بأغنية «وزعيمك خلاكي زعيمة في طريق الخير والعمران»، لكن «فوزي» صعد على المسرح ووقف ليُلقي على مسامعهم جميعًا أغنيته: «بلدي أحببتك يا بلدي.. حبا في الله وللأبد.. فثراك الحر تراب أبي.. وسماك يزف صبا ولدي».

– مرضه

بينما يحدث هذا كله و«فوزي» يتألم، حتى أمسك بروحه المرض، وكان مرضه نادرًا، وقرر السفر للعلاج بالخارج، وبالفعل سافر إلى لندن في أوائل العام 1996، ثم عاد إلى مصر، لكنه سافر مرة أخرى إلى ألمانيا بعدها بشهرين، حتى أصدر المستشفى الألماني بيانًا قال فيه إنه لم يتوصل إلى معرفة مرضه الحقيقي ولا كيفية علاجه، وإنه خامس شخص على مستوى العالم يصيبه هذا المرض، حيث وصل وزنه إلى 36 كيلو فقط، حتى أُطلق على هذا المرض وقتها «مرض فوزي»، وهكذا دخل محمد فوزي دوامة طويلة مع المرض، حتى صدر قرار علاج له على نفقة الدولة، وحاولت الدولة أن ترعاه كقيمة فنية، ولكن ذلك لم يُفلح.

– وفاته

في 20 من أكوبر 1966 وافته المنية، مات وحسرته معه على جهده وعرقه الذي سُلب منه، خاصةً أنه وفقًا للكثير من النقاد المعاصرين، ساند ثورة 23 يوليو مع اندلاعها، وشارك في فاعليات «قطار الرحمة»، التي كان هدفها جمع تبرعات من المواطنين في سائر المحافظات، لدعم الجيش المصري عام 1952، وكذلك رغم كل ما قدمه للفن المصري، ولعل مشهد جنازته كان دالًا على ذلك، وتقدم الموكب الدكتورعبد القادر حاتم نائبًا عن الرئيس جمال عبد الناصر، وسار في الموكب كبار الكتاب والفنانين، مثل يوسف السباعي وعماد حمدي وأحمد مظهر وغيرهم.

– التجديد الموسيقي

«فوزي» المولود في زمن «أمان يا لالالي»، أكمل ما بدأه سيد درويش ومحمد عبد الوهاب، من ثورة على الموسيقى القديمة، فكان له دور بارز في التجديد الموسيقي، وأول من قدم لحنًا بلا آلات موسيقية، يعتمد فقط على الأصوات البشرية بتنوعاتها من «السوبرانو إلى الباص»، وهو ما عُرف بفن «أكابيلا»، وكانت أغنية «كلمني وطمني» تعبيرًا حيًا عن هذا الفن.

وكان من أبرع من قدم قالب «الدويتو» الغنائي، يقول الكاتب والناقد الراحل رفيق الصبان، إن «الدويتو بدأ مع عبد الوهاب في أغنية «حكيم عيون»، لكنه وصل إلى النضج مع محمد فوزي حين غنى مع ليلى مراد «شحات الغرام»، حتى أنه لقب وقتها باسم الدويتو»، كما أنه قدّم عدة عروضًا غنائية بالغة الأهمية، مثل «استعراض الزهور».

– مشواره الفني

بلغ رصيد محمد فوزي من الأغنيات 400 أغنية، منها حوالي 300 في الأفلام، من أشهرها «حبيبي وعينيه، شحات الغرام، تملي في قلبي، وحشونا الحبايب، اللي يهواك أهواه»، وهو صاحب لحن النشيد الوطني للجزائر «قسمًا» الذي نظمه شاعر الثورة الجزائرية مفدي زكريا، وغنى «فوزي» العديد من الأغاني ضمن هذه الأفلام وكانت كلها من ألحانه، كما لحن للعديد من مطربي عصره أمثال محمد عبد المطلب وليلى مراد، وغيرهم الكثير.

وصف محمد عبد الوهاب أغاني «فوزي» بـ«بسيطة لدرجة التعقيد، خفيفة تمس المشاعر بلا انتظار لترجمة معانيها. بقيت كالرصاصة تُبهر الموسيقيين الجدد ليعيدوا توزيعها، كان يتسول النغمات من كل دقائق الكون».

– أغاني الأطفال

بعد تجربة لم تنل حظها من الشهرة لأم كلثوم، من خلال أغنية «نامي يا ملاكي»، يعتبر «فوزي» أول من غنى للأطفال بشكل مؤثر، ولا تزال أغنيتيه «ذهب الليل وطلع الفجر» و«ماما زمانها جاية»، من الأيقونات الغنائية المقدمة للأطفال.

– الرسالة الأخيرة

نشر المصور فاروق إبراهيم، صورة لـ«فوزي» التقطها له قبل وفاته بفترة قصيرة بناءً على طلبه، بعد أن تضاءل حجمه وفقد معظم وزنه، ونقل عنه قوله لحظة التقاطها: «صور كويس يا فاروق.. مش عايز المعجبات يضيعوا زي صحتي ما ضاعت».

وكتب «فوزي» حينها كلمات نشرها فاروق إبراهيم في ما بعد، هي: «منذ أكثر من سنة تقريبًا، وأنا أشكو من ألم حاد في جسمي لا أعرف سببه، بعض الأطباء يقولون إنه روماتيزم والبعض يقول إنه نتيجة عملية الحالب التي أجريت لي، كل هذا يحدث والألم يزداد شيئًا فشيئًا، وبدأ النوم يطير من عيني واحتار الأطباء في تشخيص هذا المرض. كل هذا وأنا أحاول إخفاء آلامي عن الأصدقاء إلى أن استبد بي المرض ولم أستطع القيام من الفراش، وبدأ وزني ينقص، وفقدت فعلًا نحو 12 كيلوجرامًا، وانسدت نفسي عن الأكل حتى الحقن المسكنة التي كنت أُحْقَن بها لتخفيف الألم بدأ جسمي يأخذ عليها وأصبحت لا تؤثر فيّ، وبدأ الأهل والأصدقاء يشعرونني بآلامي وضعفي وأنا حاسس أني أذوب كالشمعة».

يُضيف: «الموت علينا حق، إذا لم نمت اليوم سنموت غدًا، وأحمد الله أنني مؤمن بربي، فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من هذه الآلام التي أعانيها، فقد أديت واجبي نحو بلدي وكنت أتمنى أن أؤدي الكثير، ولكن إرادة الله فوق كل إرادة والأعمار بيد الله، لن يطيبها الطب، ولكنني لجأت إلى العلاج حتى لا أكون مقصرًا في حق نفسي، وفي حق مستقبل أولادي الذين لا يزالون يطلبون العلم في القاهرة، تحياتي إلى كل إنسان أحبني ورفع يده إلى السما من أجلي، تحياتي لكل طفل أسعدته ألحاني، تحياتي لبلدي.. أخيرًا تحياتي لأولادي وأسرتي.. لا أريد أن أُدفن اليوم، أريد أن تكون جنازتي غدًا الساعة 11 صباحًا من ميدان التحرير، فأنا أريد أن أُدفن يوم الجمعة».

ويقول فاروق إبراهيم، إن «المثير بحق أن ما شعر به محمد فوزي كان صحيحًا، إذ وافته المنيّة في اليوم نفسه الذي كتب فيه رسالته، وهو الخميس 20 أكتوبر 1966، عن عمر ناهز الـ48 عامًا، ليُدفن يوم الجمعة كما تمنى».

يمكنك ايضا قراءة الخبر في المصدر من صحيفة ايوان ليبيا

أخبار ذات صلة

0 تعليق