اخبار اليوم - اخر الاخبار اليوم عبدالناصر.. خبز الشعب وأحلامه

0 تعليق ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

المصدر 7 يقدم اليكم اخر الاخبار المحلية والدولية على مدار اليوم من قلب الحدث ومنها كالتالي : فى فبراير ١٩٢٣ كتب عباس العقاد بجريدة البلاغ يقول: «نشرت زميلتنا الأخبار فى ١٤ يناير الماضى خبرًا جاء فيه أن مسجونًا يخدم فى حديقة أحد الموظفين الإنجليز أكل (طماطمة) واحدة ملقاة، فما كان من السيدة زوجة الموظف الإنجليزى، وقد رأت المسجون إلا أن أمرت الأونباشى الحارس أن يظل يضرب المسجون بالكرباج حتى تكلفه أن يكف عن ضربه». انقضى نحو ثلاثين عامًا على تلك الحادثة ظل الشعب المصرى خلالها يحلم بالتحرر من الاحتلال إلى أن قامت ثورة يوليو بقيادة عبدالناصر الذى أدرك أن الأحزاب الشرعية وغير الشرعية كانت منشغلة حينذاك بالمعارضة الديمقراطية فى إطار تحسين عمل البرلمان والحريات الصحفية وما شابه، لكنها ليست ثورية بما يكفى لتفكر فى الاستيلاء على السلطة أو تتجرأ على تلك الخطوة.
مع أن الاستيلاء على السلطة هو القضية الحاسمة فى الثورة. وكان الغضب والوعى والكفاح الوطنى قبل ثورة يوليو قد راكمت مطالب التغيير ورسم ملامحها: جلاء الإنجليز، الدستور، التصنيع، التنمية، عدالة اجتماعية، تحديد الملكية الزراعية، مجانية التعليم، وحتى مشروع السد العالى كان مطروحًا قبل ثورة يوليو. كل ما قام به عبدالناصر أنه احتضن تلك المطالب، وحققها بدءًا من تأميم القناة الذى حرك العدوان الثلاثى ضد ، ثم تشييد السد العالى، والتنمية، والتصنيع، وبناء الجيش والإصلاح الزراعى، ومجانية التعليم، وتمكين المرأة من حريتها، والنهضة الثقافية غير المسبوقة، مع دعم حركات التحرر فى فلسطين والجزائر واليمن وغيرها.
وما زال البعض يكرر أن ثورة يوليو كانت انقلابًا وليس ثورة، مع أن الانقلاب هو تغيير فى قمة السلطة لا يطول بناء المجتمع، تغيير الرأس الحاكم وبقاء النظام كما هو، أما الثورة فتقوم بتغيير البنية الاجتماعية والطبقية، وهو ما فعلته ثورة يوليو حين حولت مجتمع الخمسة بالمائة الذين امتلكوا ٩٥٪ من الأرض إلى مجتمع يقتسم الأرض مع الفلاحين، ويشارك فيه العمال فى إدارة المصانع. وفى ذكرى رحيل عبدالناصر السابعة والأربعين ينظر أعداؤه بدهشة إلى حقيقة أن عبدالناصر ما زال حيًا وباقيًا، وأن كل السهام التى وجهت إليه لم تنل من وجهه المنحوت من الصلابة والمرارة والأمل. وما زال الكثيرون لا يجدون سوى صورته يرفعونها فى حركات الاحتجاج الشعبى. وقد حضرت جنازته فى ميدان التحرير، وما زالت ماثلة أمام عينى، لأننى لم أرَ قبلها ولا بعدها مشهدًا تنخلع له القلوب مثل مشهد وداع ناصر.
كان الفلاحون يتدفقون إلى ميدان التحرير بلا توقف، كالموج المتلاحق، والفلاحات المتشحات بالسواد يهتفن بالدموع «يا عريس يا صغير»، ثم برز فجأة من بين الصفوف المقطع الذى لم يؤلفه أحد، ولم يلحنه أحد، وأصبح نشيدًا متصاعدًا يلخص علاقة الجماهير بعبدالناصر: «ثورتك ثورة جياع عشتها طول السنين.. الوداع يا حبيب الملايين». ورثاه محمود درويش، أكبر الشعراء، فى قصيدته «الرجل ذو الظل الأخضر» يقول له: «نراك طويلًا.. كسنبلة فى الصعيد، جميلًا.. كمصنع صهر الحديد، وحرًا كنافذة فى قطار بعيد». ولخسف ثورة يوليو وزعيمها يكرر البعض مقولة «حكم العسكر»، من غير أن يتعظوا بسنة حكم مدنى لمحمد مرسى، ويدركوا أن القضية ليست «عسكريًا أو مدنيًا».
فالحكم المدنى أو العسكرى قد يكون تعبيرًا عن مصالح الشعب أو تعبيرًا عن مصالح الطبقات الثرية وحدها. لكنهم يرددون تلك المقولة بهدف دمج كل عهود الثورة تحت شعار واحد «حكم العسكر»، لتشويه الثورة وتغيير صورتها من ثورة على الإقطاع والاستعمار إلى مجرد «حكم عسكر»، وفى الوقت ذاته تستهدف تلك المقولة الشطب على عهد عبدالناصر الثورى بوضعه على قدم المساواة مع السادات ومبارك على أساس أن كله «حكم عسكر»! فى الوقت ذاته فإن تلك المقولة تسدد طعنة للناس، لأنها تنقل لهم فكرة أن الثورة لا تؤدى إلى شىء، وأن التمرد بلا مستقبل، وأنه كان من الأفضل لهم الاستمرار فيما مضى. ومن أجل نزع فكرة الثورة من العقول والضمائر فإن جهات كثيرة لا تبخل لا بالمال ولا بالكتب ولا بالأفلام ولا الصحف.
وهم حينما يقولون «حكم العسكر» فإنهم يقصدون الحكم الذى تغيب فيه الديمقراطية. لكنهم لا يفهمون من الديمقراطية سوى يافطات الأحزاب الورقية ونصف الورقية والتمثيل البرلمانى وغير ذلك، وإذا كان ذلك هو المقصود بالديمقراطية فإن عبدالناصر لم يكن ديمقراطيًا، أما إذا كان للديمقراطية جانب آخر لا تكتمل دونه، وهو الجانب الاجتماعى، فقد رأى عبدالناصر ذلك الجانب المتعلق بأهمية توفير التعليم للجميع والتصنيع والتنمية المستقلة. لقد رأى عبدالناصر تلك «الطماطمة» التى حين مد أحدهم يده إليها ظلوا يجلدونه إلى أن تأمر زوجة الموظف الإنجليزى بالكف عن ضربه.
لقد كسرت هزيمة ١٩٦٧ جمال عبدالناصر، وكانت الأمانى أكبر وأثقل من جناحى النسر الذى ارتفع من بين أكواخ الفقراء والفلاحين وحلق بأحلامهم، لكنه كان نسرًا نعتز به وبطوافه فى الأفق وأمانيه، التى باتساع السماء. فى ذكرى رحيله أستعيد أبيات أحمد فؤاد: «عمل حاجات معجزة وحاجات كتير خابت.. وعاش ومات وسطنا.. على طبعنا ثابت.. وإن كان جرح قلبنا كل الجراح طابت.. ولا يطولوه العدا.. مهما الأمور جابت». ولا يطولوه العدا.. لأنه فى قلب الشعب بقدر ما كان خبزًا وأحلامًا للشعب.

أخبار ذات صلة

0 تعليق